وصف وزير الصحة خالد عبد الغفار دعم القيادة السياسية لقطاع الرعاية الصحية بأنه غير مسبوق، خلال جلسة «صحة المواطنين» ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، التي انعقدت يوم الثلاثاء، ثاني أيام المنتدى. لكن الأرقام الرسمية تكشف جانبًا آخر من واقع القطاع الصحي؛ إذ تراجع عدد الأسرة في المستشفيات الحكومية بين عامي 2013 و2024، كما ظل الإنفاق الحكومي على الصحة دون الحد الأدنى الذي يفرضه الدستور، بينما تواجه منظومة التأمين الصحي الشامل نقصًا في الأدوية وتراكمًا في مستحقات شركات الأدوية والمستلزمات الطبية.
وفي تقرير نشره موقع «مدى مصر»، رصد مصطفى حسني الفجوة بين الخطاب الرسمي بشأن تطور الرعاية الصحية والنتائج التي تكشفها البيانات الحكومية المنشورة لدى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى جانب التحديات التي تواجه تمويل القطاع وتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية.
الإنفاق الصحي بين الخطاب الرسمي والأرقام الدستورية
قال وزير الصحة خالد عبد الغفار إن نهج الدولة في دعم قطاع الرعاية الصحية يعود إلى بداية تولي رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الحكم عام 2014، حين واجهت مصر، بحسب وصفه، عبئًا مرضيًا ضخمًا، ونقصًا في البيانات، وسنوات من عدم كفاية المخصصات المالية التي لم تلبِّ الطموحات التنموية للقطاع، لا سيما مع تسارع النمو السكاني.
وأشار الوزير إلى أن خطة الدولة للتنمية حققت مكاسب في القطاع الصحي، مستشهدًا بـ16 مبادرة رئاسية استفاد منها 95 مليون مواطن، بتكلفة بلغت 44 مليار جنيه. وشدد على أن نجاح الرعاية الصحية لا ينبغي أن يُقاس بحجم الإنفاق وحده، بل بالنتائج التي يلمسها المواطنون في حياتهم.
لكن مراجعة «مدى مصر» لبعض هذه النتائج، استنادًا إلى بيانات حكومية نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تكشف تراجعًا ملحوظًا في عدد الأسرة بالمستشفيات الحكومية خلال الفترة الممتدة من 2013 إلى 2024.
فقد انخفض عدد الأسرة في المستشفيات الحكومية من نحو 98 ألفًا و291 سريرًا عام 2013 إلى 84 ألفًا و225 سريرًا عام 2024. وفي المقابل، ارتفع عدد الأسرة في المستشفيات الخاصة من 26 ألفًا و9 أسرة إلى 36 ألفًا و14 سريرًا خلال الفترة نفسها.
ورغم زيادة الأسرة في المستشفيات الخاصة، تراجع إجمالي عدد الأسرة في المستشفيات الحكومية والخاصة معًا، من 124 ألفًا و300 سرير عام 2013 إلى 120 ألفًا و239 سريرًا عام 2024.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن مدى انعكاس الاستثمارات والمبادرات المعلنة على القدرة الاستيعابية الفعلية للمستشفيات، خصوصًا أن الوزير اعتبر عدم كفاية المخصصات المالية مشكلة تنتمي إلى الماضي، بينما تكشف الأرقام الدستورية استمرار التحديات المرتبطة بتمويل الرعاية الصحية.
وتُلزم المادة 18 من الدستور الدولة بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق على الصحة العامة، اعتبارًا من السنة المالية 2016/2017، مع زيادة هذه النسبة تدريجيًا بمرور الوقت. لكن الدولة لم تلتزم بهذا الحد منذ إقرار الدستور عام 2014، ولم تتجاوز مخصصات الصحة 1.7% من الناتج القومي الإجمالي في معظم السنوات اللاحقة.
وخصصت الحكومة في موازنة السنة المالية الحالية ما يعادل 1.51% من الناتج القومي الإجمالي للصحة، أي نحو نصف الحد الأدنى الدستوري.
وفي المقابل، اعتمدت الحكومة طريقة مختلفة لاحتساب المخصصات المالية، تتيح لها القول إنها تلتزم بالحد الأدنى المطلوب للإنفاق. فبدلًا من استخدام التصنيف السابق القائم على إنفاق وزارة الصحة، باتت تعتمد تعريفًا وصفته بأنه «أوسع وأكثر شمولًا».
وبموجب هذا التعريف، لا يقتصر الإنفاق الصحي على موازنة وزارة الصحة، بل يشمل أيضًا إنفاق عدد من الهيئات الاقتصادية والشركات خارج الموازنة، إلى جانب جهات أخرى تقدم خدمات الرعاية الصحية، مثل مستشفيات الشرطة والجيش والأزهر، ومنظومة التأمين الصحي الشامل والبرامج المرتبطة بها.
وكان مصدر في وزارة المالية قد أوضح لـ«مدى مصر» أن هذا التصنيف الموسع يشمل تلك الجهات. لكن في غياب بيانات منشورة ومتاحة للجمهور بشأن حجم إنفاقها الصحي، يتعذر التحقق من وصول إجمالي الإنفاق السنوي إلى الحد الأدنى الذي يفرضه الدستور.
وأضاف المصدر أن توسيع تعريف الإنفاق الصحي السنوي يتيح للحكومة أيضًا احتساب المخصصات المدرجة لسداد ديون هذه الجهات باعتبارها استثمارات في القطاع الصحي.
وكان السيسي قد أقر قبل ثلاثة أعوام بأن الدولة لا تفي بالمتطلبات الدستورية للإنفاق على الصحة، قائلًا خلال خطاب علني: «الأرقام المطلوبة مش موجودة يا جماعة». وجاء تصريحه بعد أيام من تأكيد الحكومة أنها تحقق مستويات الإنفاق المطلوبة.
التأمين الصحي الشامل: إصلاح شامل أم تحديات مستمرة؟
إلى جانب استعراض الإنفاق، سلط منتدى مصر 2026 الضوء على منظومة التأمين الصحي الشامل، باعتبارها إحدى أبرز المبادرات الرئاسية في قطاع الصحة.
ووصف رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية أحمد السبكي المنظومة بأنها إصلاح شامل للقطاع الصحي المصري، واعتبرها تتويجًا لـ«قفزة هائلة» شهدها القطاع في عهد السيسي، بعد تحولات تاريخية سابقة خلال عهدي الملك فؤاد الأول والرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.
وقبيل انعقاد المنتدى، بدأت الحكومة الترويج للمرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل، وأطلقت مرحلة تجريبية في محافظة المنيا.
أما المرحلة الأولى، فانطلقت عام 2018 في محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء والأقصر وأسوان، واكتملت عام 2025.
وقال السبكي إن المنظومة حققت أهدافها من خلال تعزيز العدالة الاجتماعية والحد من الفقر، عبر خفض النفقات الصحية التي يتحملها المواطنون من أموالهم الخاصة. كما أشار إلى نجاح الهيئة في أتمتة الخدمات ورقمنتها، بما يسهم في تحسين سرعة تقديم الخدمة وجودتها.
لكن هذه التصريحات لا تتناول المشكلات التي صاحبت تطبيق المنظومة في المحافظات الست التي شملتها المرحلة الأولى، وفي مقدمتها النقص الحاد في العديد من الأدوية وتراكم متأخرات اشتراكات التأمين الصحي.
وفي بعض الحالات، حُرم مرضى من الحصول على أدويتهم بسبب تأخر سداد الاشتراكات المستحقة عليهم. ودفع ذلك بعض المستفيدين إلى محاولة تجاوز هذه العقبات عبر تغيير محل إقامتهم المسجل، وإبرام عقود إيجار جديدة في محافظات لم تُطبق فيها المنظومة بعد.
وتكشف هذه الممارسات عن فجوة بين الأهداف المعلنة للتأمين الصحي الشامل وقدرة بعض المستفيدين على الوصول الفعلي إلى الخدمات والأدوية التي يفترض أن توفرها المنظومة. كما تثير تساؤلات بشأن أثر المتأخرات المالية وشروط الانتفاع بالتأمين على المرضى الذين يعتمدون على العلاج المنتظم.
ولا تقتصر التحديات على إجراءات التسجيل والاشتراكات، بل تمتد إلى توفير الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة لتقديم الخدمات، وهو ما يضع قدرة الجهات المسؤولة على ضمان استمرارية العلاج أمام اختبار مستمر.
نقص الأدوية ومستحقات الموردين يهددان كفاءة المنظومة
تطرق رئيس هيئة الشراء الموحد، هشام ستيت، خلال جلسة الثلاثاء، إلى أهمية توحيد مشتريات الأدوية والمستلزمات الطبية لمختلف الجهات المقدمة للرعاية الصحية. وقال إن مركزية الشراء تضمن الالتزام بمعايير الجودة المناسبة والحصول على المنتجات بأفضل الأسعار.
لكن نقص الأدوية في السوق ازداد حدة منذ تأسيس الهيئة عام 2019، وظهر ذلك مؤخرًا في نقص شديد لعدد من الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية في المستشفيات التي تقبل التأمين الصحي الحكومي.
كما أدت الخلافات مع شركات الأدوية وموردي المستلزمات الطبية إلى تراكم مستحقات متأخرة للهيئة تتجاوز 40 مليار جنيه.
وتضع هذه المشكلات علامات استفهام حول قدرة منظومة الشراء الموحد على تحقيق أهدافها المعلنة، خصوصًا أن مركزية المشتريات لا تضمن وحدها توافر الأدوية بصورة مستمرة، ما لم تتوافر السيولة اللازمة لسداد مستحقات الموردين وتستقر عمليات التوريد.
ويكشف التزامن بين نقص الأدوية وتراكم المستحقات المالية عن تحديات تتجاوز مسألة تحديد أسعار الشراء أو معايير الجودة؛ إذ ترتبط كفاءة المنظومة أيضًا بقدرتها على تسوية المدفوعات في الوقت المناسب وضمان وصول الأدوية والمستلزمات إلى المستشفيات التي تحتاج إليها.
وفي الوقت الذي يحتفي فيه الخطاب الرسمي بالمبادرات الرئاسية والتحول الرقمي وتوسيع نطاق التأمين الصحي الشامل، تُظهر البيانات تراجع إجمالي أسرة المستشفيات، واستمرار الإنفاق الصحي دون الحد الدستوري، إلى جانب صعوبات تواجه بعض المستفيدين في الحصول على الأدوية والخدمات.
وبينما تؤكد الحكومة أهمية تطوير القطاع الصحي، تظل النتائج الفعلية التي يلمسها المواطنون معيارًا أساسيًا لقياس نجاح هذه السياسات، وفقًا للمعيار الذي طرحه وزير الصحة نفسه. ويعني ذلك أن تقييم أداء المنظومة لا يتوقف عند حجم الإنفاق المعلن أو عدد المبادرات والمستفيدين، بل يتطلب أيضًا النظر إلى القدرة الاستيعابية للمستشفيات، ومدى الالتزام بالتمويل الدستوري، وتوافر العلاج، وانتظام سداد مستحقات الجهات التي توفر الأدوية والمستلزمات الطبية.
https://www.madamasr.com/en/2026/10/22/news/u/citizens-health-session-at-egypt-forum-2026-boasts-spending-success-with-no-mention-of-declining-hospital-bed-numbers/

